لاقت سلاسل الكتل أو ما يسمى بتقنية البلوكشين Blockchain اهتماما وصدى عالميا واسعا وبشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، نظرا لكونها إحدى التقنيات الملهمة و التي تعد من مقومات الثورة الصناعية الرابعة
والمساهمة في تغيير ملامح الإقتصاد العالمي، و لإمكانياتها في فتح آفاق جديدة لتعزيز التنمية و تحسين حباة الإنسان، ومن هذا المنطلق سنقوم بتسليط الضوء على تقنية البلوكشين في دول العالم العربي وذلك عبر تحليل اتجهات تطبيق أنظمة البلوكشين من أجل التعرف على مدى مواكبة المؤسسات للتطورات والتغيرات الحديثة الناتجة عن تبني تقنية البلوكشين واستخدامها لتطوير آليات العمل وتقديم الخدمات في مختلف القطاعات الإقتصادية والحكومية لما يحسن حياة الفرد العربي.
مفهوم تقنية البلوكشين وأنواعها
يتم استخدام تقنية البوكشين كتسمية عامة لجميع التطبيقات والأنظمة المعتمدة على سجل المعاملات الموحدة الذي تتيح إنشاء معاملات بطريقة آمنه ومباشرة دون الحاجة إلى طرف وسيط كجهة معينة متحكمة في النظام، ويمكن تعريف تقنية البلوكشين بأنها:
نظام معلومات مشفر معتمد على قاعدة معلوماتية مركزية، أي موزعة على جميع الأجهزة المنضمة في الشبكة، لتسجيل كل بيانات المعاملات وتعديلاتها بطريقة تضمن موافقة جميع الأطراف ذات الصلة على صحة البيانات.
و تكمن قوة تقنية البلوكشين في معيارين أساسين، هما الامركزية والشفافية العالية في إدارة المعاملات بكل أنواعها كالدفوعات والحوالات البنكية أو تسجيل الملكيةالعقارية و الهويات الوطنية أوتبادل الأصول أوعمليات التصويت والخ.
تتيح تقنية البلوكشين طريقة مغايرة لعملية إنشاء البيانات وتخزينها تختلف عن قاعدة البيانات التقليدية حيث تتم بشكل لامركزي وموزع على جميع الأجهزة المرتبطة في الشبكة التي تقوم جميعها بالتحقق من صحة البيانات وتماثلها بناء على قواعد التوافق الجماعي المحددة و يتم حفظ البيانات في سجل معاملات موحد كنسخ متطابقة على جميع الأجهزة وليس كنسخة وحيدة في جهاز مركزي معين، ويضم السجل قائمة مستمرة من المعاملات التي تسمى كتل يتم ربطها بناء على قيمة وتشفيرها لحماية السرية و تأمين صحة بياناتها باستخدام الخوارزميات.
تسمح ميزة الامركزية في تقنية البلوكشين بتبادل أي نوع من القيم بين أي طرفين دون الحاجة إلى تولي جهة مركزية معينة إدارة نظام المعاملات كمؤسسة مالية، بنك أو شركة مالية او غيره، حيث يقوم عملها على شبكة "من النظير - إلى – النظير" التي تتيح لجميع الأطراف و الجهات ذات الصلة ولوج النظام في أي وقت وتوثيق منشأ وأصل كل معاملة وتسجيل بياناتها وتوصيلها إلى حالة التوافق الجماعي و تأكيد كل الأطراف عليها وثق عملية تسمى Mining وبمجرد إجماع جميع الأطراف على المعاملة يتم إنشاء الكتلة Block المكونة من Header وBody ومن ثم إلحاقها بسلسلة باقي الكتل في الشبكة.
وتضمن تقنية البلوكشين درجة عالية من الثقة والأمان والشفافية في المعاملات، عبر تزويد المستخدمين ببيانات شاملة والقدرة على تعقب السجل التاريخي لكل المعلومات والمعاملات والتغيرات الطارئة عليها، والتي تسمح بمسح أي معاملة بعد تدخيلها أوتعديل البيانات بدون سماح جميع الأطراف وتغيير جميع الكتل ذات الصلة، وذلك إعتمادا على عمل دالة الإختزال function Hash و عمليات التشفير التي تضمن تطابق البيانات في الكتل المترابطة بالسلسلة.
تنقسم شبكات البلوكشين إلى ثالثة أنواع لكل منها استخدامات ومميزات مختلفة، وهي: شبكة البلوكشين العامة والبلوكشين الخاصة والإتحاد أو التحالف و المبينة في الجدول التالي :
هناك عدة فوائد يمكن الحصول عليها من استخدام أنظمةالبلوكشين، كزيادة الكفاءة العملية و القدرات التطويرية و الإبتكارية والتنافسية في مجالات لا حصر لها، من بينها:
إزالة الأطراف الوسيطة
تتيح أنظمة البلوكشين إنجاز المعاملات وتبادل القيم بين أي أطراف بشكل مباشر دون الحاجة إلى اللجوء إلى طرف ثالث وسيط كالبنوك على سبيل مثال لضمان الثقة والأمان في المعاملات وإتمامها، ما يؤدي إلى زيادة الثقة وسرعة إنجاز المعاملات وخفض تكاليفها.
كما تفيد هذه الميزة في بعض الحالات المعقدة أو الحرجة، مثل إرسال الإعانات المالية للمحتاجين في مناطق الحروب أو الصراعات أو عدم وجود وسيلة شرعية مناسبة.
اللامركزية
يقوم عمل أنظمة البلوكشين على قاعدة بيانات لا مركزية تخزن كنسخة من دفتر السجلات العام في كل جهاز انضم في الشبكة، بعكس قواعد البيانات المركزية التي يكون تخزينها وإدارتها حكرا على جهة معينة، الأمر الذي يسهل و يسرع التعاون والعمل بين الأطراف والجهات، ويضعف قابلية الإختراق أو فقدان البيانات وتغييرها أو تخريبها حيث يحتاج لذلك اختراق أكثر من 50 %من أجهزة الشبكة في نفس الوقت الزمني.
الشفافية والثقة
تعزز أنظمة البلوكشين مستوى الشفافية في سجل المعاملات مقارنة بأنظمة السجلات الحالية، حيث إن جميع التغيرات الحاصلة في دفتر سجل المعاملات العام يمكن رؤيتها من قبل جميع الأجهزة المنضمة في الشبكة، والتي تتم إلا بموافقة جميع األطراف ذات الصلة عليها، كما لا يمكن بأي حال من الأحوال مسح المعاملات بعد تسجيلها في نظام البلوكشين ما يرفع مستوى الشفافية ويزيد الثقة إلى حد أكبر مما هو عليه في أنظمة المعاملات الحالية.
أمن المعلومات
تكون البيانات في أنظمة البلوكشين ثابتة وغير قابلة للتغير بعدما يتم إنشاء الكتلة وإلحاقها بالسلسلة، مع توفر إمكانية إتباعها بكتل مستحدثة بعد إجماع الأطراف عليها، كما يمكن قراءة جميع الكتل المرتبطة ومتغيراتها وتتبعها
تاريخيا، ما يعني سهولة وسرعة التدقيق وكشف ومتابعة تفاصيل المعاملات وبالتالي إضعاف احتمالية حدوث عبث أو إحتيال في سجل المعاملات العام الموجودة في جميع أجهزة الشبكة.
خفض تكاليف وزيادة سرعة المعاملات
أنظمة البلوكشين تساهم في خفض التكاليف نظرا لعدم الحاجة إلى طرف وسيط لتمام المعاملات، لكون سجل المعاملات العام موزعا على جميع الأجهزة المنضمة في الشبكة، فيستطيع أي من الأطراف الدخول وتسوية ما يعنيها من المعاملات والتدقيق عليها بشكل فوري ومباشر، ما يعني زيادة في سرعة إنجازا معاملات والتخلص من النفقات الإضافية المدفوعة لأطراف الوسيطة التي تعمل على إتمام المعاملات، كالحاجة الى إعتماد البنوك كطرف وسيط في توثيق عمليات الدفع المالي.
أبرز مجالات تطبيق أنظمة البلوكشين
لقد تخطى استخدام البلوكشين من مجرد الخلفية التقنية التي يقوم عليها عمل نظام البتكوين Bitcoin لتبادل العملات الرقمية، إلى نظام يمكن الإستفادة من تطبيقاته العديدة و المتطورة في جميع القطاعات و المجالات العملية والتجارية والصناعية دون استثناء.
وكأمثلة على أبرز المجالات المستفيدة حاليا من البلوكشين هي حماية " انترنت الأشياء" وتوفير الخدمات و المعاملات الحكومية وإدارة سلاسل الإمداد و اللوجستيات، وإجراء المعاملات المالية و مجال الرعاية الصحية وما يخص حفظ حقوق الملكية الفكرية والتوزيع والنشر في المجالات البحثية و الأدبية والموسيقى والفنون وغيره.
إنترنت األشياء
يشكل توفير الحماية الأمنية أحد أهم التحديات الرئيسية في مجال إنترنت الأشياء، خاصة في ظل تزايد التهديدات الإلكترونية وضرورة حماية الأشياء ذاتها وما تصدره وتجمعه من بيانات أثناء عملها، وتوفر تقنية البلوكشين حماية أمنية في عملية التواصل حيث تضمن هوية الأجهزة المرسلة و المستقبلة وفحص بياناتها المجمعة و المصادقة عليها وتسجيل التحديثات و المعاملات التي تتم فيما بينها، على سبيل المثال، إتمام معاملات شحن عدادات الكهرباء المنزلية أو السيارات الكهربائية وغيرها باستخدام العقود الذكية في البلوكشين لفحص بيانات األجهزة ومصادقتها وتسجيل معاملات الشحن ودفوعاتها المالية بشكل أتوماتيكي وفوري.
الخدمات الحكومية
يمكن الإستفادة من مزايا البلوكشين وخاصة سرعة المعاملات والشفافية والثقة في توفير وتحسين خدمات القطاع الحكومي بشكل عام، مثل إصدار المستندات الرسمية بكل أنواعها وأغراضها كشهادات الميلاد والزواج
والشهادات الجامعية ورخص القيادة، وتسجيل الملكيات كالأراضي والعقارات و المركبات و المجوهرات الثمينة وكل ماله قيمة مادية، وإصدار بطاقات الهوية والتحقق من البيانات، وصرف العانات الحكومية للمستحقين، و التصويت الرقمي في االنتخابات الوطنية وغيرها.
سلاسل الإمداد/التوريد واللوجستيات
ستلعب أنظمة البلوكشين في السنوات القليلة القادمة دورا حيويا في توسيع العلاقات التجارية وتخطي المعوقات فب حركة التجارة العالمية حيث يجري العمل حاليا على توظيف البلوكشين في إنشاء منصات لوجستية تهدف إلى ربط الموانئ بالأطراف التجارية كالمصانع والشركات والموردين و المستوردين بهدف تسهيل التعاملات بينها وتسريع عمليات تصدير واستيراد السلع، وتمكن هذه المنصات وبشكل خاص الموانئ من معالجة وتتبع معلومات مختلفة من ملايين الحاويات وشحناتها، الأسعار والفواتير وتواريخ الإنتاج وغيره، واعتماد نسخ إلكترونية وبوليصات الشحن، ما يلغي التعقيدات ويقلل من تكاليف الشحن والتعامل مع الأوراق، بالإضافة إلى زيادة معدلات الأمان والشفافية والحماية من البضائع المزيفة والتلاعب بالأسعار.
المعاملات المالية
يعتبرالقطاع المالي أكثر و أسرع القطاعات تأثرا بالبلوكشين وغيرها من التكنولوجيا المالية التي أحدثت تحوالت جذرية في هيكلية وأنظمة الخدمات المالية، وتتم الإستفادة حاليا من ميزة الامركزية في البلوكشين من قبل الأفراد و المؤسسات في خدمات الدفع الفوري وتداول العملات والأصول الرقمية بشكل مباشر و آمن بين الأفراد او الأطراف دون الحاجة لوسيط من السوق المالي أوالبنوك، بالإضافة إلى استخدام البلوكشين في تنفيذ الحوالات المصرفية وخاصة الخارجية والتسويات مع البنوك و المؤسسات المالية المتراسلة فوريا، ما يختصر الخطوات و المدة الزمنية اللازمة لإجراء الحوالات ويخفض تكلفة النفقات المصاحبة لها.
الرعاية الصحية
يستفاد من البلوكشين في المجال الصحي في إعداد منصة لتسجيل بيانات الرعاية الصحية وفق المعايير الطبية مع مراعاة خصوصية المرضى وبياناتهم، وذلك لتوفير المعلومات الازمة لعمل التحاليل والدراسات والبحوث الصحية، وما يخدم عمل طاقم المستشفيات و المؤسسات المالية والتأمين الصحي و الأدوية وغيرهم من المخولين على قراءة دفتر سجلات الرعاية الصحية.
حماية الحقوق الفكرية
تتيح تقنية البلوكشين إنشاء منصات لتسجيل وتوثيق أوراق البحوث والدراسات ومجموعات الإنتاج الأدبي والفني للكتب و المؤلفات، الأفلام، الموسيقى،الفنون التصويرية والتشكيلية وغيره، بهدف حماية حقوق الملكية .
و أخيرا و مما تقدم يتضح أنه في ظل زيادة التوجه العالمي نحو الإستفادة من مزايا أنظمة البلوكشين وانعكاساتها اليجابية على سائر قطاعات الإقتصاد والتنمية وتحسين حياة المجتمعات والجاهزية العالية لقطاع الإتصالات وتقنية المعلومات رأت بعض الدول العربية ضرورة مواكبة هذا التوجه والبدء في التخطيط و الإستعداد للتحول للبلوكشين، فيجري عدد منها في الوقت الراهن، وبالتعاون مع الشركات العالمية المتخصصة، بعض المشاريع التجريبية الهادفة إلى معرفة كيفية إستخدام تطبيقات البلوكشين لتطوير أنظمة وآليات العمل وخلق أساليب جديدة لتقديم خدماتها.
كما قام بعضها بالنظر في المعايير التنظيمية والقانونية الازم تحقيقها لتشغيل أنظمة البلوكشين وخلق بيئة مناسبة للتوسع في استخدامها في مجالات الخدمات العامة وأنشطة سائر القطاعات على المستوى المحلي والدولي.
ورغم هذا، لا تزال الكثير من الدول تفتقر إلى وجود خطة معلنة للإستفادة من تطبيقات البلوكشين في انشطتها أو بحاجة إلى البحث على المستجدات العالمية المتعلقة بالبلوكشين في مجال عملها.
ولتحفيز ذلك ينبغي العمل على الأتي :
أولا : التعريف بمفاهيم عمل أنظمة البلوكشين ودواعي تطبيقها المتعلقة بتقصير و تسهيل سلسلة الإجراءات وزيادة القدرات التطويرية والإبتكارية والتنافسية للمؤسسات.
ثانيا : الإطلاع الدائم على المستجدات المرتبطة بمعايير ومزايا ومتطلبات أنظمة البلوكشين، والإستفادة من التجارب التطبيقية الحالية لبعض المؤسسات العامة والأجهزة الحكومية والشركات الرائدة في استخدام أنظمة البلوكشين.
ثالثا: بذل مزيد من الجهود لإرساء دعائم التحول للبلوكشين، خاصة في الدول التي لم تنشئ بعد لجنة أو استراتيجية وطنية لإستخدام تقنية البلوكشين عبر التعاون بين الجهات الحكومية والخاصة بكل المجالات لبحث كيفية الإستفادة من إمكانيات وأنظمة البلوكشين في مشروعات التنمية، والتحاور بشأن الإجراءات العملية والتنظيمية و القواعد القانونية الإضافية التي تتخذها تحقيقا للتحول إلى البلوكشين في أنشطتها ومعاملاتها
رابعا: تشجيعا القطاع الخاص على الإستثمار في مشاريع تطوير أنظمة البلوكشين وتطبيقها في مجالات العمل وتحفيز الشركات العالمية الرائدة في مجال أنظمة البلوكشين على دخول الأسواق العربية وتقديم خدماتها وعروضها التجريبية
لا يوجد تعليقات
أضف تعليق